جاري التحميل الآن
×
أيوب

أيوب

لم يكن ايوب حكاية تلتقط لها الصور،
بل كان مرورا يوميا لا يلتفت اليه احد.

رجل بسيط،
تختصره دراجة يعرفها اكثر مما يعرفه الناس،
وتعرف طريقه اكثر مما يعرف هو طريق نفسه.
ملامحه بعيدة،
لكن تعبه قريب من هذه الارض،
وصمته اثقل من جلبة المدن.

يمضي كل صباح الى عمله
كما يمضي المؤمن الى صلاته:
في وقته،
بلا شكوى،
وبلا انتظار ثناء.

لا يملك الا قوت يومه،
ولا يحمل الا تعريفا وظيفيا يعلقه على صدره،
ولا يحلم الا بحج يقف فيه امام البيت الحرام
واقف لا تابعا،
داعيا لا مامورا.

يقال عنه موظف بسيط،
وينسى انه يملك ما لا يملكه كثيرون:
ضميرا لا يساوم،
ونفسا لا تاكل الا ما تيقنت طهارته،
وقلبا يعرف ان الشبهة ظل ينبغي الابتعاد عنه.

يتيم منذ زمن،
فقد اباه في معركة بعيدة،
لكن معاركه لم تنته،
فكل يوم يقاتل كي يبقى مستقيما
في عالم يتقن الانحناء.

اذا سئل عن حاله قال بخير،
لا لانه بلا الم،
بل لانه لا يرى في الالم مبررا للتذمر.
الرضا عنده ليس شعارا،
بل نهجا يسلكه.

في مجالسنا ،
نتجادل في اخبار الناس،
نسرف في تقييمهم،
نقلب سيرهم كما تقلب الاوراق،
ونحسب ان المكانة تقاس بما نملك،
لا بما نترك.

نعلي شان التاجر،
وننحني للمال،
ونخاف الفقر كما لو كان عارا.
ولا ندري ان العار الحقيقي
ان تملك وفرة بلا قناعة،
وسعة بلا امان.

ايوب لا يخاف الفقر،
فهو يعرفه معرفة الصديق القديم.
يجلس معه مساء،
ويقتسم معه الرغيف،
ثم ينام قرير العين.

اما نحن،
فنخاف ان تنكشف صورتنا
اذا نقص من حولنا الضوء.

لو كان الفقر قاتلا
لاهلكه منذ زمن،
لكن الذي يهلك حقا
ان يضيع الانسان في سعيه الى ان يبدو شيئا
فينسى ان يكون شيئا.

يمر ايوب على دراجته،
فنراه اقل منا شانا،
ولا ندري
ان في صدره سكينة
نبحث عنها في بيوتنا المزدحمة.

ليست السكينة مالا،
ولا منصبا،
ولا اسما يتداول في المجالس.
السكينة ان تنام وقد اغلقت على نفسك باب الشبهة،
وان تقوم للفجر وقلبك اخف من جيبك.

ومن هنا يتكشف المعنى،
حين نكتشف ان اعظم الناس
ليس من ارتفع حديثه،
بل من خفت مؤونته على الدنيا،
وثقل قدره عند الله.

بقلم ـ تركي بن فهد آل ثنيان

ظهرت المقالة أيوب أولاً على صحيفة سما العالم الالكترونية للأخبار الدولية والمحلية.

إرسال التعليق

ربما تكون قد فاتتك