جاري التحميل الآن

الأمم المتحدة وطاجيكستان تبحثان في الرياض مستقبل التعاون الدولي حول المياه والتنمية المستدامة

الأمم المتحدة وطاجيكستان تبحثان في الرياض مستقبل التعاون الدولي حول المياه والتنمية المستدامة

الأمم المتحدة وطاجيكستان تبحثان في الرياض مستقبل التعاون الدولي حول المياه والتنمية المستدامة

في بيت الأمم المتحدة بالرياض، اجتمع عدد من السفراء وكبار الدبلوماسيين وممثلي الجهات الحكومية والشركاء في فعالية مشتركة استضافها مكتب المنسق المقيم للأمم المتحدة في المملكة العربية السعودية، بالشراكة مع سفارة جمهورية طاجيكستان، قبيل انعقاد المؤتمر الدولي الرابع رفيع المستوى بشأن العقد الدولي للعمل: «المياه من أجل التنمية المستدامة، 2018–2028»، الذي سيُعقد في دوشنبه خلال الفترة من 25 إلى 28 مايو 2026.

ولم تكن الندوة مجرد لقاء تمهيدي لمؤتمر دولي، بل مساحة لربط النقاش العالمي حول المياه بما تشهده المنطقة والعالم من تحولات وضغوط متزايدة على الموارد المائية. فقد عكس حضور السلك الدبلوماسي وممثلي الحكومة والشركاء أهمية المياه بوصفها قضية مشتركة تتجاوز الحدود، وتستدعي تعاوناً أوسع بين الدول والمؤسسات والمنصات الدولية.

استهل السيد محمد الزرقاني، المنسق المقيم للأمم المتحدة في المملكة العربية السعودية، النقاش من نقطة أساسية: أن أزمة المياه ما زالت تمس حياة مليارات البشر، رغم ما تحقق من تقدّم في إطار عقد العمل من أجل المياه. وذكّر المشاركين بأن 2.1 مليار شخص لا يزالون يفتقرون إلى خدمات مياه الشرب الآمنة، وأن 3.4 مليار شخص لا يحصلون على خدمات صرف صحي تُدار على نحو مأمون، فيما يواجه نحو أربعة مليارات شخص شحاً مائياً حاداً لمدة شهر واحد على الأقل كل عام.

ومن خلال هذه الأرقام، أعاد المنسق المقيم النقاش إلى جوهره الإنساني. فعبء أزمة المياه لا يقع بالتساوي على الجميع، بل تتحمله بصورة أشد النساء والفتيات، والأطفال، وكبار السن، والأشخاص ذوو الإعاقة، والمجتمعات التي تعيش أصلاً على هامش الخدمات الأساسية. ومن هذا المنطلق، شدّد على أن المياه ليست ملفاً فنياً معزولاً، بل قضية تنموية وإنسانية وسياسية في آن واحد، مذكّراً الحضور بأن «المياه تُظهر لنا ما يمكن أن يحققه التعاون متعدد الأطراف حين يكون جاداً ومتواصلاً».
ومن هذا الإطار العالمي، انتقل الحديث إلى دوشنبه. فقد قدّم سعادة السيد أكرم كريمي، سفير جمهورية طاجيكستان لدى المملكة العربية السعودية، عرضاً حول مضامين مؤتمر دوشنبه المرتقب، موضحاً كيف أسهمت عملية دوشنبه للمياه، منذ إطلاق عقد العمل من أجل المياه في عام 2018، في إبقاء الحوار والشراكات والزخم السياسي حول قضايا المياه حاضرة على الساحة الدولية.

ولم يقدّم السفير كريمي المؤتمر بوصفه محطة منفصلة، بل جزءاً من مسار دولي ممتد. فمؤتمر مايو في دوشنبه يأتي ضمن أجندة أوسع تقود إلى مؤتمر الأمم المتحدة للمياه لعام 2026، الذي تشترك في استضافته دولة الإمارات العربية المتحدة وجمهورية السنغال في ديسمبر، ثم إلى مؤتمر الأمم المتحدة للمياه لعام 2028، الذي ستستضيفه طاجيكستان في دوشنبه. وبهذا المعنى، بدا مؤتمر دوشنبه المقبل كحلقة في سلسلة دولية تسعى إلى إبقاء المياه في قلب العمل متعدد الأطراف.
ومع اتساع النقاش من المؤتمر المقبل إلى البنية المؤسسية الأوسع للعمل الدولي في مجال المياه، تناول معالي الدكتور فهد بن عبدالرحمن بالغنيم، رئيس الفريق التأسيسي للمنظمة العالمية للمياه، ولاية المنظمة وتوجهاتها. وقد أُنشئت المنظمة العالمية للمياه في الرياض من قِبل دولها الأعضاء المؤسِّسة، برعاية صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، لتكون إحدى المنصات الدولية الجديدة المعنية بدفع البحث والتطوير، والابتكار، والتمويل، وتعزيز القدرات الوطنية في قطاع المياه.

ومن خلال هذه المداخلة، حضرت الرياض ليس فقط كمكان انعقاد للندوة، بل كمدينة تشهد ولادة منصة دولية جديدة في مجال المياه. فقد أعاد حديث المنظمة العالمية للمياه طرح سؤال أساسي حول كيفية تحويل التحديات المشتركة إلى أطر عمل قادرة على جمع المعرفة والتمويل والخبرة المؤسسية، بما يخدم الدول والمجتمعات الأكثر احتياجاً إلى حلول عملية.
أما التجربة السعودية، فحضرت بوصفها مساراً وطنياً يرتبط في الوقت نفسه بأجندة عالمية أوسع. فقد عرض الأستاذ إبراهيم الهلالي، المستشار الاستراتيجي لوكالة المياه في وزارة البيئة والمياه والزراعة، ملامح التحول في قطاع المياه بالمملكة في إطار رؤية السعودية 2030 والاستراتيجية الوطنية للمياه.

وتناول الهلالي ما حققته المملكة في مجالات الإدارة المتكاملة للموارد المائية، وإعادة استخدام مياه الصرف الصحي المعالجة، وتحلية المياه، والابتكار في قطاع المياه. كما أشار إلى محطتين مقبلتين في الأجندة العالمية للمياه تستضيفهما المملكة، هما المركز الدولي لأبحاث المياه، الذي أُعلن عنه خلال مؤتمر الأطراف السادس عشر لاتفاقية مكافحة التصحر، والمنتدى العالمي الحادي عشر للمياه، الذي تستضيفه الرياض في عام 2027.
ولكي لا يبقى النقاش في مستوى السياسات العامة والمؤتمرات الدولية، أعادت مداخلة برنامج الأمم المتحدة الإنمائي التركيز على الشراكات طويلة الأمد والعمل المؤسسي المتراكم. فقد ألقى الأستاذ عاصم صلاح، كبير مسؤولي البرامج لدى برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في المملكة العربية السعودية، كلمة نيابةً عن سعادة السيدة ناهد حسين، الممثلة المقيمة للبرنامج في المملكة.

وتناول في كلمته الشراكة الممتدة لأكثر من عقدين بين برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ووزارة البيئة والمياه والزراعة في مجالات الإدارة المتكاملة للموارد المائية، وبناء القدرات المؤسسية، وصنع السياسات القائمة على الأدلة، دعماً للهدف السادس من أهداف التنمية المستدامة. ومن خلال هذه التجربة، ذكّر المشاركين بأن «التعاون في مجال المياه ليس خياراً، بل ضرورة».
ومع نهاية المداخلات، بدت الرسالة المشتركة أكثر وضوحاً: أن حجم تحديات المياه وإلحاحها لا يسمحان بالعمل المنفرد. فالمطلوب هو مزيد من التعاون عبر المنظومة الدولية، ومزيد من المنصات التي يكمل بعضها بعضاً، ومزيد من الدول الأعضاء التي تضع خبراتها ومواردها ضمن أطر مشتركة. وقد جمع النقاش في القاعة بين السلك الدبلوماسي، وحكومة المملكة العربية السعودية، ومنصة حكومية دولية ناشئة، وشركاء أمميين ممتدة شراكاتهم منذ سنوات، في صورة قريبة من روح عقد العمل من أجل المياه وما يسعى إلى تعزيزه من تفاعل واسع بين الأطراف المعنية.
وفي النقاش المفتوح الذي اختُتمت به الندوة، انتقل الحوار إلى أسئلة المستقبل: دور الذكاء الاصطناعي في إدارة المياه، ومتطلبات التمويل اللازمة لتسريع تنفيذ الهدف السادس من أهداف التنمية المستدامة، وأهمية إشراك النساء والشباب وكبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة والمجتمعات المحلية في صياغة القرارات والخدمات المتعلقة بالمياه.

ويُفتتح مؤتمر دوشنبه الرابع لعقد العمل من أجل المياه في 25 مايو 2026 بمنتديات المؤتمر والفعاليات الجانبية، بما في ذلك منتدى مخصص للمياه والذكاء الاصطناعي، على أن تُعقد الجلسات رفيعة المستوى يومي 26 و27 مايو في مجمّع كوخي سومون في دوشنبه.

كما سيطلق المؤتمر حواراً أولياً حول دور المياه في أجندة التنمية لما بعد عام 2030، في امتداد للنقاش الذي شهدته الرياض، وتأكيداً على أن المياه ستظل إحدى القضايا التي تختبر قدرة المجتمع الدولي على العمل المشترك، لا في لحظات الأزمات فحسب، بل في بناء مسارات طويلة الأمد للتنمية والاستقرار.



إرسال التعليق

ربما تكون قد فاتتك