جاري التحميل الآن

الاسم الذي مات قبل صاحبه

الاسم الذي مات قبل صاحبه

الاسم الذي مات قبل صاحبه

 

رأيت كثيرًا ممن حولي يغيّرون أسماءهم،
لا لأن الأسماء كانت قبيحة،
بل لأن شيئًا ما بداخلهم لم يعد يحتمل العيش تحت الاسم القديم.

في البداية ظننته أمرًا عابرًا،
نزوةً متأخرة،
أو رغبةً في لفت الانتباه،
لكنني مع الوقت أدركت أن المسألة أعمق بكثير من مجرد حروف تُستبدل بحروف.

فالإنسان لا يعيش داخل اسمه فقط،
بل يعيش داخل كل ما حدث له وهو يُنادى به.

كل مرة يُذكر فيها اسمه،
تنهض داخله حياة كاملة لا يراها أحد؛
طفولته،
ضعفه القديم،
خيباته،
الأماكن التي انكسر فيها،
والنسخة التي حاول طويلًا أن يهرب منها دون أن يستطيع.

ولهذا، هناك من يصل إلى مرحلة يشعر فيها أن اسمه لم يعد يشبهه،
أو ربما لم يعد يحتمل أن يسمعه أصلًا.

فيغيّره.

لا ليصبح أجمل،
بل ليصبح أخفّ على روحه.

وكأن الإنسان حين يبدّل اسمه،
يحاول أن ينتزع نفسه من تاريخ كامل،
لا من لفظٍ مكتوب في الهوية.

ثمة أسماء تتحول مع الزمن إلى مرايا مؤلمة.
كلما سمعها الإنسان، رأى فيها الشخص الذي كانه يومًا،
لا الشخص الذي يريد أن يكونه الآن.

وهنا يبدأ الهروب الصامت.

اسم جديد،
صوت جديد،
صورة جديدة أمام الناس،
وكأن الإنسان يعلن جنازة خفية لنسخته القديمة دون أن يبكيه أحد.

لكن الحقيقة الثقيلة،
أن بعض البشر يكتشفون متأخرًا أن المشكلة لم تكن في الاسم أصلًا.

فالروح التي لم تتصالح مع جراحها،
ستظل متعبة حتى لو ناداها العالم بألف اسم.

يمكن للإنسان أن يغيّر اسمه،
ومدينته،
وأصدقاءه،
وحياته كاملة،
لكن الأشياء التي لم يواجهها داخله ستظل تعرف طريقها إليه.

ولهذا، بعض الذين غيّروا أسماءهم وجدوا السلام فعلًا،
لأنهم تغيّروا من الداخل قبل الخارج.

وبعضهم اكتشف بعد سنوات،
أن الاسم لم يكن السجن الحقيقي…
بل الذكريات التي كانت تسكن خلفه.

فالإنسان لا يهرب من اسمه غالبًا،
إنما يهرب من الحكاية التي أصبحت تُستدعى كلما ناداه أحد .

وأشدّ ما يرهق الإنسان…
أن يكتشف أحيانًا أن اسمه كان آخر ما تبقّى من ماضيه،
فقتله بيده،
ظنًّا منه أن النسيان يمكن أن يُكتب في الأحوال المدنية .

 

بقلم ــ تركي بن فهد آل ثنيان

 



إرسال التعليق

ربما تكون قد فاتتك