جاري التحميل الآن

الذكاء الاصطناعي للمؤسسات لا ينبغي أن يكون مجرد قضية محورية، بل يجب أن يكون قضية تشغيلية

الذكاء الاصطناعي للمؤسسات لا ينبغي أن يكون مجرد قضية محورية، بل يجب أن يكون قضية تشغيلية

الذكاء الاصطناعي للمؤسسات لا ينبغي أن يكون مجرد قضية محورية، بل يجب أن يكون قضية تشغيلية

بقلم: أحمد رشاد، أخصائي الذكاء الاصطناعي في شركة نوتانيكس.

غالبًا ما يروج للذكاء الاصطناعي باعتباره قضية “مصيرية” للمؤسسات. لكن المفارقة أن العديد من قادة التكنولوجيا، رغم حماسهم الواضح واستثماراتهم الكبيرة في هذه التكنولوجيا، يتعاملون معها وكأنها مجرد تجربة عابرة، وليس تطبيقًا مؤسسيًا حقيقيًا.
الأدلة تتزايد يومًا بعد يوم على أن كثيرًا من مشاريع الذكاء الاصطناعي تفشل في تخطي مرحلة التجريب أو النماذج الأولية. فوفقًا لتوقعات شركة جارتنر، سيجري إلغاء أكثر من 40% من مشاريع الذكاء الاصطناعي التوكيلي (Agentic AI) بحلول نهاية عام 2027، وغالبًا ما يعود السبب إلى ضعف ضوابط المخاطر وغموض العائد المتوقع على الاستثمار. [تتوقع جارتنر إلغاء أكثر من 40% من مشاريع الذكاء الاصطناعي الوكيل بحلول نهاية عام 2027]

هذا الاخفاق في الانطلاق لا يمثل مجرد خسارة للاستثمارات فحسب، بل يؤدي أيضًا إلى انخفاض الثقة في التكنولوجيا على المدى الطويل.
وهكذا تتشكل فجوة متزايدة بين فئتين من المؤسسات: تلك التي تنتقل بثبات نحو تبني الذكاء الاصطناعي على المستوى المؤسسي، وتلك التي تكافح لإيجاد صيغة ناجحة لتوظيفه. والفجوة مرشحة للاتساع أكثر مع انتقالنا من عصر الذكاء الاصطناعي التوليدي إلى عصر الذكاء الاصطناعي التوكيلي.
لا شك أن امتلاك رؤية واضحة هو مفتاح النجاح في الذكاء الاصطناعي، وكذلك امتلاك البيانات اللازمة لتشكيل استراتيجية متميزة لمؤسستك. هذا، إلى جانب بعض الاستثمارات الأولية، قد يكون كافيًا لتقديم نموذج أولي مبهر.
ولكن هل هذا كافٍ لضمان النجاح على نطاق المؤسسة ككل؟ أرقام جارتنر تجيب بوضوح: لا.
إذن ما المفقود؟ ما الذي يجب على قادة التكنولوجيا فعله لضمان ألا يكون الذكاء الاصطناعي مجرد أداة للإبهار، بل وسيلة حقيقية لتحقيق النتائج؟
الإجابة تكمن في “الجاهزية التشغيلية” للذكاء الاصطناعي. وهي ببساطة: القدرة على نشر وإدارة وتوسيع نطاق الذكاء الاصطناعي، ليخرج من المعامل والمختبرات الضيقة إلى شتى أرجاء المؤسسة.
وهذا يعني بذل الجهد اللازم لضمان الانتقال بالمشروع من كونه مجرد تجربة ناجحة لكنها معزولة، إلى عنصر أساسي ومدمج في صلب عمل المؤسسة. ويتحقق ذلك عبر تشغيل الذكاء الاصطناعي على منصة موحدة ومتكاملة، تجمع بين قدرات الحوسبة وإدارة البيانات وحوكمة الأمن. والأهم أن هذه المنصة مصممة لتعمم وتستخدم في أي مكان داخل المؤسسة، سواء كان ذلك في مراكز البيانات الداخلية (On-Premise)، أو عبر الخدمات السحابية، أو حتى على الأجهزة الطرفية (on the edge).
هذا المفهوم ليس بجديد علينا. فلكي تنجح في تشغيل أي نظام حيوي للشركة – مثل أنظمة تخطيط الموارد (ERP) أو إدارة علاقات العملاء (CRM) كان لابد من التركيز أولاً على متانة البنية التحتية التشغيلية. الأمر ذاته ينطبق على الذكاء الاصطناعي، لكن مع فارق جوهري.
هنا تبرز تحديات فريدة لا يمكن إغفالها عندما نطبق هذا المنطق على الذكاء الاصطناعي.
من السهل اختزال معادلة البنية التحتية للذكاء الاصطناعي في وحدات معالجة الرسومات (GPUs) فقط، لكن الحقيقة أكثر اتساعاً. فالذاكرة عالية النطاق، والتخزين فائق السرعة، وقوة الشبكات، كلها عناصر لا تقل أهمية. ناهيك عن دور المعالجات والمسرعات الأخرى التي تختلف حسب طبيعة كل مرحلة من مراحل سير العمل.
الأهم أن هذه البنية التحتية – سواء كانت محلية أو سحابية أو هجينة – يجب أن تكون قادرة على النمو والتكيف مع تطور المشروع. فلا يكفي أن تنجح في مرحلة التجربة المحدودة، بل يجب أن تصمد عندما يتحول المشروع إلى نظام إنتاجي يعمل على نطاق المؤسسة ككل. والذكاء الاصطناعي، بطبيعته، أكثر التصاقاً وتعقيداً من أنظمة العمل التقليدية.
لكن المسألة تتجاوز بكثير قوة المعالجة وسعة التخزين. فعندما نتحدث عن الذكاء الاصطناعي على مستوى المؤسسات، يصبح الأمن والحوكمة خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه. بيانات المؤسسة ونماذجها الخاصة هي رأس مالها الحقيقي للمستقبل، ويجب أن تظل في حوزتها الآمنة.
هنا تتعقد الأمور أكثر مع تشابك قوانين سيادة البيانات ولوائح الذكاء الاصطناعي المتزايدة. لم يعد مقبولاً أن يكتفي قادة التكنولوجيا بالثقة، بل عليهم اليقين التام بمكان تخزين بياناتهم، ومعرفة دقيقة بمن يملك حق الوصول إليها ومن يُمنع منه.
صحيح أن إمكانيات الذكاء الاصطناعي لا حدود لها، لكن التكاليف أيضاً لا حدود لها إذا أُسئت إدارة هذه البنية التحتية. تخيل أن تدفع ثمناً باهظاً مقابل وحدات معالجة واستهلاك طاقة، ثم تترك هذه الموارد غير مستغلة. هذا لا يحدث فقط ثغرة في العائد على الاستثمار، بل يقوض أيضاً التزامات المؤسسة البيئية والاجتماعية.
التوسع التشغيلي
على قادة التكنولوجيا أن يخططوا منذ اللحظة الأولى لكيفية توسيع السعة التقنية – وخفضها عند الحاجة – وليس هذا فحسب، بل عليهم أيضاً أن يكونوا قادرين على إدارة التكاليف وتوقعها بدقة. لهذا، هم بحاجة إلى منصة وأدوات تمنحهم الثقة الكافية لفعل كل ذلك بسلاسة ويسر.
هذه الحاجة تصبح أكثر إلحاحاً مع دخول وكلاء الذكاء الاصطناعي على الخط. فوجود هذه الوكلاء يعني أن أنظمة آلية ستقوم بالوصول إلى البيانات، وتوليد معلومات جديدة، واتخاذ القرارات. وهنا يجب أن يظل الأمن والحوكمة والامتثال صارمين دون أي تنازل. كما يجب أن تكون البنية التحتية قادرة على استيعابهم والتعامل مع الارتفاعات المفاجئة في الطلب أثناء تنفيذ مهامهم. بل وتتطلب الأمور مراعاة دقيقة لموقع الأصول التقنية بهدف تقليل زمن الاستجابة لأعباء عمل الاستدلال التي تعمل في الزمن الفعلي، مع الحفاظ على استهلاك الطاقة ضمن حدود معقولة.
عندما نضع كل هذه الاعتبارات في الحسبان، تتضح معالم الصورة الحقيقية للجاهزية التشغيلية في عصر الذكاء الاصطناعي.
هذه الجاهزية تتطلب نهجاً متكاملاً وجاهزاً للتشغيل الفوري، يتمثل في منصة شاملة قادرة على استيعاب وحدات معالجة الرسومات وسائر المسرعات الضرورية. ويجب أن تضم هذه المنصة خدمات بيانات متكاملة تدعم كافة التنسيقات التي يحتاجها الذكاء الاصطناعي، مزوّدة بضوابط أمنية وحوكمة محكمة. كما ينبغي أن تدعم كلاً من الآلات الافتراضية والحاويات مع إمكانية تنسيق العمل بينهما.
فالسباق نحو تشغيل الذكاء الاصطناعي وتحقيق الاستفادة منه مرهق بما فيه الكفاية، ولا أحد يرغب في خوض معركة الترحيل إلى البنية السحابية الأصلية في نفس التوقيت.
صحيح أن النماذج اللغوية الكبيرة (LLMs) قد لا تقدم إجابات متطابقة في كل مرة، لكن البنية التحتية التي يقوم عليها الذكاء الاصطناعي – التوليدي و التوكيلي – يجب أن تكون على العكس تماماً: قابلة للتكرار والتوحيد. هذا هو الشرط الأساسي لأي شركة تريد توسيع نطاق عملها بما يتناسب مع الطلب المتزايد، سواء كان ذلك في الحوسبة السحابية، أو على الخوادم المحلية، أو عند حافة.
عندما تتوفر المنصة والأدوات المناسبة في أيدي قادة التكنولوجيا، يمكنهم عندها توجيه فرقهم نحو الهدف الأهم: التعظيم المستمر للقيمة المستمدة من استثمارات الذكاء الاصطناعي. بدلاً من إهدار الوقت والموارد في معركة تحويل مشروع تجريبي ناجح إلى استراتيجية شاملة للمؤسسة.
في النهاية، سواء راهنوا بكل شيء على الذكاء الاصطناعي، أو تعاملوا معه كأداة ضمن مجموعة أدواتهم الأوسع، يبقى الأمر الأكيد أن على قادة التكنولوجيا إدراك حقيقة لا مفر منها: الذكاء الاصطناعي هو تطبيق مؤسسي بامتياز. والتطبيقات المؤسسية لا تقبل الحلول الهشة أو المؤقتة، إنما تحتاج إلى بنية تحتية بمستوى المؤسسات، قادرة على احتضان المشروع من مراحله الأولى كنموذج تجريبي، عبر مرحلة الإنتاج الفعلية، وصولاً إلى المستقبل.
لأن هذا وحده هو ما سيضمن لمؤسساتهم البقاء والاستمرار على المدى الطويل.



إرسال التعليق

ربما تكون قد فاتتك