حين يصبح الصمت أرحم من الطرق على الأبواب
بقلم ــ تركي بن فهد آل ثنيان
هناك لحظة في حياة الإنسان لا يعود يخاف فيها من الرفض، بل من الإحراج الذي يسبق الرفض.
لحظة لا يتألم فيها من كلمة “لا”، بل من نظرة تقولها قبل أن تُقال.
عندما لا تريد إزعاجهم… لا لأنك مكتفٍ، بل لأنك exhausted من تفسير نفسك.
لا لأنك قوي حد الاكتفاء، بل لأنك سئمت أن تُفهم خطأ كلما احتجت، وأن تُتهم كلما صدقت.
في البدء كنا نطلب بعفوية.
نطرق الأبواب بقلوب مفتوحة.
نقول: أحتاج.
فنُقابل بالصمت، أو بالتأجيل، أو بابتسامة مشروطة.
ثم نتعلم.
نتعلم أن الحاجة في عرف بعض الناس ضعف.
وأن الاعتراف بها مقام لا يُسامح عليه.
وأن من يطلب مرة، سيُحاكم عشر مرات.
فنكفّ.
لا لأننا لم نعد نحتاج، بل لأن كرامتنا لم تعد تحتمل الشرح.
أحياناً أتمنى — لا موتاً، بل اختفاءً مؤدباً —
أن أكفني بيدي، وأغسلني بصمتي، وأدفن ضجيجي بعيداً عنهم،
كي لا أكون عبئاً على مشاعر لم تعد تحتملني،
ولا سؤالاً في مجلس لا يريد سماع الجواب.
ليس في الأمر مأساة،
بل تعبٌ طويل من بذلٍ لم يُرَ،
ومن نُبلٍ فُهم على أنه استحقاق دائم.
تُعطي، فيُقال: هذا واجبه.
تصبر، فيُقال: هذا طبعه.
تحتاج، فيُقال: تغيّر.
فتدرك أن المشكلة لم تكن في عطائك،
بل في أن الناس اعتادوا حضورك حتى ظنوه حقاً مكتسباً.
بهتان الناس ليس دائماً اتهاماً صريحاً؛
أحياناً يكون صمتهم حين تُظلم،
أو انقلابهم حين تتعب،
أو دهشتهم حين تقول: يكفي.
ليتني كنت نسياً منسياً…
لا يُطلب، ولا يُنتظر، ولا يُساء فهمه.
ليتني لم أكن مرآة يرى فيها بعضهم عجزه فيكرهني،
ولا ميزاناً يثقل عليه عدله فيهرب مني.
لكن الحقيقة أن الإنسان لا يُدفن لأنه أتعبهم،
بل يُدفن حين يتعب من شرح أنه لم يكن عبئاً،
بل كان سنداً صامتاً أكثر مما يجب.
وحين نقرر ألا نزعجهم،
فليس لأننا أقل شأناً،
بل لأننا أخيراً احترمنا أنفسنا بما يكفي لنكفّ عن طرق أبواب لا تُفتح إلا إذا كنا نحمل لهم شيئاً،
لا إذا كنا نطلب منهم شيئاً.
الصمت أحياناً ليس انسحاباً،
بل استعادة كرامة.
والابتعاد ليس عقوبة،
بل نجاة.
ومن ظن أنك أردت إزعاجه،
لم يفهم يوماً أنك كنت تحاول أن تبقى .



إرسال التعليق