جاري التحميل الآن

حين تسرق الصورة… من يصدق؟

حين تسرق الصورة… من يصدق؟

حين تسرق الصورة… من يصدق؟

 

بقلم: تركي بن فهد الثنيان

في زمن تتسارع فيه الأحكام، لم يعد الاتهام يحتاج إلى دليل، ولا الإساءة إلى يقين.
يكفي أن تتكرر الرواية، حتى تُمنح صفة الحقيقة، ويكفي أن تشيع الكلمة، حتى تصبح حكما نهائيا.

وليس كل من نجا من التهمة بريئا، كما أن ليس كل من أثقلت كفته باللوم مذنبا.
فالخلل في كثير من الأحيان لا يكمن في الفعل ذاته، بل في ميزان التقييم، حيث تعظم المساوئ على قوم، وتُسقط عن آخرين بغير عدل، وكأن للخطأ وجوها متعددة، يحاسب بها الضعيف، ويغفر منها للمحصن بالحظوة والقبول.

كثير مما يتناقله الناس لا يقوم على تحقق، ولا يستند إلى معرفة، بل يولد في المجالس، وينتشر بالتكرار، حتى يلبس ثوب الحقيقة.
وكم من باطل استراح له السامعون لأنهم لم يكلفوا أنفسهم عناء السؤال.

وقد يبتلى الإنسان لا بخطيئة اقترفها، ولا بذنب استوجبه، بل بقدر تُنتزع فيه صورته من بين يديه، فيُمنح اسما لم يختره، ويُحاكم بسرد لم يكتبه، وتُختزل سيرته في رواية ناقصة اكتملت بالهوى لا بالدليل.

فليس كل من ساءت سمعته كان سيئا، ولا كل من طالته الألسن استحق الطعن.

بل إن من الناس من يبتلى لا بضعفه، بل بشدة وضوحه،
ولا بانحرافه، بل بصدقه الذي أحرج غيره، وبقناعة لم يحسنوا تقبلها.

فالمنصف في زمن الاستقطاب يقصى،
والهادئ في سوق الضجيج يُدان،
لأنه لم يتقن فن الصراخ، ولم يحسن صناعة الخصومات أو التحالفات.

وقد تكون الجناية أحيانا أنك تلقائي،
تجامل دون تلميع،
وتنصف دون مجاملة،
ولا تنحاز حيث يراد الانحياز،
ولا تصنع وجها مختلفا لكل مجلس.

فالناس لا تخشى الشر دائما، لكنها ترتاب من العدل إذا لم يكن في صفها، وتنفر ممن لا يساوم، ولا يشترى، ولا يبدل مواقفه تبعا لتغير الوجوه.

ومن مفارقات الحياة أن يكون سبب السقوط اجتماعيا، هو ذاته سبب النجاة أخلاقيا.

فمن لم يكذب ليرضي، ولم يغدر ليدخل، ولم يتلون ليقبل، كان أكثر عرضة لأن تُسرق صورته، وأن تُروى حكايته مبتورة، وأن يُزاد في الخبر حتى يبدو مقنعا، ويُحذف من السيرة ما لا يخدم الرواية.

حتى يُحكم عليه من أناس لم يعرفوه، ولم يخالطوه، ولم يسمعوا صوته، بأحكام قاسية تختصره في أوصاف جاهزة: غير صالح اجتماعيا، غير مأمون، غير جدير بالقرب.

وهنا يبرز السؤال:
أين مسؤولية من يردد؟
وأي ميزان ذاك الذي تُرفع فيه التهمة وتسقط فيه الشهادة؟
وأي إنسانية تبقى حين يُغتال الاسم بلا مواجهة ولا عدل؟

فحين يغيب الضمير عن المجالس، لا يُسأل: هل هذا صحيح؟
بل يُسأل فقط: هل هذا شائع؟
فإذا شاع، صدق.

وهكذا يُدفع بعض الناس إلى الهامش، لا لأنهم أساؤوا، بل لأنهم لم يحسنوا التمثيل.

غير أن التاريخ لا يحفظ الصخب، ولا يوثق للمجالس، بل يحفظ الأثر، ويزن الفعل، ويبقي ما ثبت.

فما سقط حق لأنه أُجِّل، ولا ضاع اسم لأن صورته شُوِّهت.
إنما تعرف المقامات حين ينقشع الغبار، وتعود الكلمة للفعل لا للصوت.

فإن سُرقت صورتك، فاعلم أنها سُرقت حين عجزوا عن تغييرك.
وإن أُبعدت، فاعلم أن الإقصاء أحيانا شهادة صامتة على أنك لم تكن قابلا للبيع ولا صالحا للتطويع.

فالسمعة ظل يتبدل،
أما الحق فباق لا يتحول.

ويمضي القول،
ويبقى الأثر.

وتسقط الصور،
ويبقى الإنسان.

إرسال التعليق

ربما تكون قد فاتتك