جاري التحميل الآن
×

الألم اللطيف | صحيفة سما العالم الالكترونية للأخبار الدولية والمحلية

الألم اللطيف | صحيفة سما العالم الالكترونية للأخبار الدولية والمحلية

الألم اللطيف | صحيفة سما العالم الالكترونية للأخبار الدولية والمحلية

هناك ما يؤلم… لكنه لا يجرح.
يمرّ على الروح كنسمة باردة في مساءٍ طويل، يوقظ فيك شيئًا خفيًا دون أن يهدمك، ويترك أثره كما تترك الذكريات بصمتها: حاضرة، لكنها لا تُثقل القلب.

الألم ليس دائمًا خصمًا شرسًا.
أحيانًا يكون معلّمًا هادئًا، يجلس إلى جوارك دون جلبة، يهمس لك بما لم تفهمه في زمن العجلة، ويعيد ترتيبك من الداخل دون أن يراك أحد. هذا هو الألم اللطيف… ذاك الذي لا يُسقطك، بل يوقظك.

هل النضج هو ما جعلك تميّز هذا النوع من الألم؟
أم أن كثرة ما مرّ بك جعلتك تفهم أن ليس كل وجعٍ يستحق المقاومة؟
في البدايات، كنا نرفض الألم بكل صوره، نراه عدواً صريحاً، نبحث عن الخلاص منه بأي ثمن.
لكن مع مرور الوقت، ومع كل تجربة خذلتنا أو علّمتنا، بدأنا نرى الأمر بشكل مختلف… أدق، وأعمق.

صار بإمكاننا أن نفرّق بين ألمٍ يُهيننا… وألمٍ يُهذّبنا.
بين وجعٍ يكسرنا… وآخر يعيد تشكيلنا بهدوء.

الألم اللطيف يشبه وداعًا بلا خصام،
أو ذكرى لا تعود، لكنها لا ترحل،
يشبه شخصًا لم يعد في حياتك، لكن أثره فيك ما زال نقيًا، بلا جلبة ولا مرارة.

هو ذلك الشعور الذي يزورك دون استئذان،
فتبتسم له رغم وجعه،
لأنك تعرف أنه جزء منك… لا عبء عليك.

في هذا الألم، لا تصرخ… بل تصمت.
لا تنهار… بل تتأمل.
ولا تبحث عن الهروب… بل تفهم.

النضج لا يُلغي الألم،
لكنه يمنحك القدرة على احتوائه،
أن تراه دون خوف،
وأن تعيشه دون أن تغرق فيه.

ربما لهذا، حين نكبر، لا يقلّ ألمنا…
بل تصبح أرواحنا أوسع منه.

فنحن لم نعد نخشى كل ما يؤلم،
بل بتنا نميّز…
أن هناك ألمًا قاسيًا يجب النجاة منه،
وهناك ألمًا لطيفًا…
يستحق أن نصغي له،
ونفهمه،
ثم نتركه يمرّ بنا… كما مرّت الحياة.

وفي النهاية…
ليس كل ما يؤلم يُكره،
ولا كل ما يوجع يُقاوَم.

بعض الألم… يُحتَرم،
لأنه جاء ليُريكك نفسك كما لم ترها من قبل.

وحين تنضج حقًا،
لن تسأل: لماذا أشعر بهذا الألم؟
بل ستبتسم بهدوء… وتدرك:

أن في قلبك متّسعًا،
حتى لما يؤلمك بلطف.

تركي بن فهد آل ثنيان



إرسال التعليق

ربما تكون قد فاتتك